العلامة الأمين عن قضية سلمان رشدي: الشريعة لا تقتضي ثبوت عقوبة القتل على الزنادقة والمشككين

قدم عضو مجلس الحكماء المسلمين العلامة السيد علي الأمين، وجهة نظر فقهية بحتة في “قضية سلمان رشدي بين الدين والسياسة”، تتجاوز أي موقف فكري أو اخلاقي او سياسي. وفنّد العلامة الأمين هذه القضية، معتبراً ان “المستفاد من مواقف الإمام الصادق في قيامه بالحوار مع الزنادقة والمشكّكين، ومن عدم دعوته لإقامة حدّ الردّة عليهم، أن القاعدة الأوليّة في الشريعة لا تقتضي ثبوت عقوبة القتل حدَّاً عليهم”، لافتاً الى ان “السّعي للفساد في الأرض بالخروج المسلّح على نظام الشريعة يشكل تجسيداً عملياً لإنكار الشريعة وصاحبها”، مؤكداً ان “عدد المسلمين صار يزيد على المليار ونصف المليار رغم كل تلك الدعايات الكاذبة على رسول الله، وارتدت تلك الإساءات التي وجهت إليه على أصحابها”.

 

ف عند الفقهاء باسم (حدّ الردّة)أن المستفاد من مواقف الإمام الصادق في قيامه بالحوار مع الزنادقة والمشكّكين ومن عدم دعوته لإقامة حدّ الردّة عليهم أن القاعدة الأوليّة في الشريعة لا تقتضي ثبوت عقوبة القتل حدَّاً عليهم، وهذه القاعدة تستفاد من القرآن الكريم الذي لم ترد فيه عقوبة دنيوية على المرتدّ كما يشير إلى ذلك قول الله تعالى في سورة البقرة-٢١٧- ‏(..وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) وقوله تعالى في سورة المائدة-٥٤- ‏(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)”. وتشعر هاتان الآيتان أنّ حدَّ الردّة الذي ورد ذكره في كلمات الفقهاء وبعض الروايات لم يكن حكماً أوّليّاً له بعنوانه الخاص الوارد في القرآن الكريم، وأنه لم يكن على مقتضى القاعدة الأوّليّة المستفادة من آياته”. “من خلال عرض تلك الروايات وبعض ما روي في كتب السيرة من تطبيقات لحدّ الردّة على ما تقدّم من آيات يظهر أن تطبيقه كان تدبيراً ظرفيّاً قام به وليّ الأمر دفعاً للمفسدة الأشدّ في بداية الدّعوة وكان مع انضمام عناوين أخرى إليه كما يظهر ذلك من حدّ المحارب، لأن المحارب ليس مجرد المنكر للعقيدة وإنما هو الذي اقترن إنكاره بالسعي للفساد في الأرض كما ورد في الآية المباركة في سورة المائدة-٣٣- ‏(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ). تطبيق حدّ القتل على المرتدّ كان مقترناً مع عمل جرميّ يستوجب العقوبة الدنيوية، وليس لمجرد إنكاره بالقلم أو اللسان وهذا يعني أن تطبيق حدّ القتل على المرتدّ كان مقترناً مع عمل جرميّ يستوجب العقوبة الدنيوية، وليس لمجرد إنكاره بالقلم أو اللسان،فالمحارب لله ولرسوله ليس هو الخارج عنهما بمعتقده الذي أظهره بلسانه أو قلمه وفكره،بل هو الخارج عليهما عمليّاً بسعيه لزعزعة السلامة والنظام العام، وهذا ما تشير إليه رواية حادثة عبدالله بن أُبَيّ الذي آذى رسول الله بلسانه ولكنّ رسول الله رفض قتله عندما قال له بعض أصحابه دعني أضرب عنق هذا المنافق، فالسّعي للفساد في الأرض بالخروج المسلّح على نظام الشريعة يشكل تجسيداً عملياً لإنكار الشريعة وصاحبها، وهو ما تشير إليه أيضاً بعض الروايات في حادثة مقتل كعب بن الأشرف، فإن ما يظهر منها أن المسلمين لم يقتلوه لكونه يهوديّاً اعترض على رسول الله وأساء إليه بلسانه، وإنما لانحيازه بعد معركة بدر إلى المشركين المحاربين فغدا محارباً مثلهم”. موقف الإمام علي من الخارجي الذي حكم بكفر الإمام وعندما همَّ بعض أصحابه بقتله قال لهم(رويداً، إنما هو سبٌّ بسبّ أو عفو عن ذنب) هذا المعنى الذي ذكرناه عن حكم الإرتداد هو ما يظهر من موقف الإمام علي من الخارجي الذي حكم بكفر الإمام وعندما همَّ بعض أصحابه بقتله قال لهم(رويداً، إنما هو سبٌّ بسبّ أو عفو عن ذنب) وهذا ما تؤيده تلك الحوارات التي أشرنا إليها بين الإمام الصادق مع من سبق ذكرهم من أهل التشكيك والزندقة، وهي تعكس لنا أجواء الحوار والإنفتاح التي كانت سائدة في عصره مع المختلفين في الفكر والإعتقاد، وهذا هو الموافق لقاعدة نفي الإكراه في الدين المستفادة من آيات عديدة في القرآن الكريم منها قول الله تعالى: ‏(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)البقرة-٢٥٦- ‏ومنها قوله تعالى: ‏(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا)الكهف-٢٩-“.

 

قد كان دور الأئمة والعلماء تعليم الأمة لأحكام الشريعة ونشرها والدفاع الفكري عنها اعتماداً على أسلوب التبشير والإبتعاد عن طرق التنفير والتكفير، وكان تطبيق تلك الأحكام على الموضوعات وتنفيذها على الأشخاص متروكاً للقضاء وللسلطة التنفيذية من باب لزوم نظم الأمر والحفاظ على النظام العام الذي تحفظ به الحقوق، ولم يكن من حق أيّة جماعة دينية أن ترمي شخصاً بالكفر وأن تقيم عليه حدّاً شرعياً متجاوزة دور السلطات القائمة،وهذا هو الخطأ بل الخطيئة الكبرى التي وقعت فيها جملة من الحركات الدينية المعاصرة التي تحكم على غيرها بالكفر والارتداد وتعمل على تطبيق الحكم وتنفيذه بدعوى حاكميتها وتنفيذها لأحكام الله متجاوزة بذلك دور السلطة الناظمة للأمر والتي لا بد منها في قيام المجتمعات والدول والأوطان كما جاء في كلام الإمام علي (ع): (وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلّغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر). ‏إن الإساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لا توقع الضَّرر بالإسلام والمسلمين، ولكن ردّات الفعل الآثمة هي التي تسيء إلى الإسلام وتلحق الضرر بالمسلمين. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِين)”. صار عدد المسلمين يزيد على المليار ونصف المليار رغم كل تلك الدعايات الكاذبة على رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام لقد صار عدد المسلمين يزيد على المليار ونصف المليار رغم كل تلك الدعايات الكاذبة على رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام وارتدت تلك الإساءات التي وجهت إليه على أصحابها (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) إن الذين يسيؤون إلى رسول الله لن تتحقق أهدافهم بالإرتداد عن رسالته بدعاياتهم الباطلة ولن تؤثر في عميق إيمان المسلمين بنبوّته ولا في ازدياد عدد أتباعه ولن يستطيعوا إطفاء نور الله،ولا يقوم بتلك الإساءات المقصودة إلا الجاهلون والذين يعملون على زرع العداوة والبغضاء بين أتباع المذاهب والأديان (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ)”. نحن نرى أن أعظم ما يسيء إلى الإسلام ويلحق الضرر بالمسلمين المنتشرين في البلاد هي ردات الفعل الآثمة التي تسفك فيها الدماء ويروع بها الآمنون والتي لا تنسجم مع الغاية التي بعث الرسول لتحقيقها والتي عبر عنها بقوله (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).‏ ونرى بأن أعظم ما ينفع الدعوة إلى الإسلام هي تطبيق تلك القيم الأخلاقية ومبادئ الأخوة والعدالة والتسامح بين المسلمين أنفسهم ومع شركائهم في أوطانهم وفي علاقاتهم مع الأمم والشعوب الأخرى في العالم”. إن الإسلام يريد منّا أن نكون دعاة له كما قال الله مخاطباً رسوله: (أُدْعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة) وأن نقول للمسيئين (سلاماً) كما قال الله تعالى: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) وبذلك نقطع الطريق على الساعين من وراء هذه الإساءات للرموز الدينيّة إلى تأجيج الصراعات وتعميق الإنقسامات بين أتباع المذاهب والديانات،قال الله تعالى:( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ)”. يجب الإبتعاد عن اعتماد الأساليب المرفوضة بالإحتجاج التي تؤدي إلى التجاوزات والإعتداءات وشحن النفوس لذلك يجب الإبتعاد عن اعتماد الأساليب المرفوضة بالإحتجاج التي تؤدي إلى التجاوزات والإعتداءات وشحن النفوس بالكراهية والأحقاد،ويجب العمل على إفشال تلك الأهداف والغايات بالتركيز على ما دعت إليه الرسالات بالتنافس والتسابق إلى فعل الخيرات التي تعزز الروابط الإنسانية بين الأمم والجماعات قال الله: (.. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)”.