’’فينوس‘‘ الحد الفاصل بين الجرأة والابتذال حُظوة رواد المسرح

تضطلع مؤسسة الإنتاج الفني الكندية JPAL لصاحبها طارق سيكياس بتقديم مسرحية ’’فينوس (Venus) خارج لبنان. المحطة الأولى في الجولة العالمية كانت في دبي مطلع أيلول /سبتمبر المنصرم لتتوالى العروض بعدها في مدينتي مونتريال وميسيساغا في ضواحي تورونتو.

عرضان في مونتريال على مسرح أوترومون (Outremont) في وسط المدينة غصت فيهما الصالة بالحضور الذي خرج مبهورا بأداء لبناني لنص عالمي يتعذّر فيه الفصل بين الجرأة والإباحية المفرطة أحيانا وبين الابتذال.

وصل إلى المشاهد عمق المعالجة الدرامية بفضل الأداء التشويقي والمتميّز والمتقن للممثليَن اللبنانييَن بديع أبو شقرا ورولا بقسماطي. ممثلان فقط على المسرح استطاعا بجدارة حبس أنفاس حضور غير متجانس مدة نحو 90 دقيقة.

الجمهور وفريق مسرحية ’’فينوس‘‘ في مسرح أوترومون في مونتريال.

يقول المنتج طارق سيكياس إن عدد الحضور في يومي عرض المسرحية في مونتريال تجاوز الـ 1000 شخص. هذا الإقبال على مسرحية تُعد نخبوية يدلّ على تعطش الجمهور الاغترابي إلى مسرح يرفع ذائقته الفنية. في الصورة من اليمين إلى اليسار رولا بقسماطي، جاك مارون، بديع أبو شقرا وطارق سيكياس.

مَنع الإيقاع الدينامي في الحواز والتمثيل، كذلك عنصر المفاجأة في الأحداث أي ملل أو شرود لدى المشاهد. هذا الأخير أظهر تفاعلا كبيرا، فعَلت ضحكاته حينا عند المواقف الكوميدية غير المتوقعة، وسيطرت عليه أحيانا حالات العبثية والسادية والمازوشية المُجسدة في المسرحية العالمية للكاتب الأميركي دايفيد آيفز. ويؤكد المخرج جاك مارون محافظة المسرحية على نصها الأساسي في الاقتباس الذي وقّعه غابريال يمين ولينا خوري.

جذب انتباه الحضور الديكور البسيط في المسرح وفي الملابس مع شنطة أكسسوارات فيها كل ما يلزم لكسر المونوتونية وجعل المشاهد مشدودا للأحداث منذ البداية وحتى النهاية. الحقيبة هي أشبه بـ’’بقجة‘‘ حملتها فاندا لزوم الأوديشن على دور في مسرحية ’’فينوس ذات الفراء‘‘.

الممثل الكندي البناني بديع أبو شقرا على مسرح أوترومون في مونتريال.

سَحر الممثل الكندي اللبناني بديع أبو شقرا بدور ’’المخرج بديع‘‘ في المسرحية (علما أن في النص الأساسي المخرج اسمه توم) جمهوره مؤكدا مرة أخرى على موهبته الفذة في كل الأدوار التي يشخصها. لا يحتاج هذا المبدع إلى بذل جهد كبير لتصديق تمثيله. تأتي كل الأدوار على مقاسه ويتقمصها ليؤديها بكل التلقائية والاتقان والسهولة.

ببراعة وإبداع وانسيابية مطبقة، نجحت بقسماطي في تجسيد الازدواجية والانفصام في شخصية البطلة فاندا. وقد احتار المشاهد وارتبك على غرار المخرج والكاتب في المسرحية الذي يلعب دوره أبو شقرا، في أي شخصية يصدقان أكثر، فاندا كانت مقنعة تماما بدور بائعة الهوى البسيطة كما في دور المرأة المثقفة متنقلة بين هذه الشخصية وتلك بخفة مذهلة، مًسخرة في شكل أساسي نبرة الصوت. وهكذا مارست فاندا سحرها على المخرج ذات الشأن ليس بأنوثتها وإغرائها فحسب بل بذكائها ورقي فكرها أيضاً.

جاك مارون: ’’الجمهور ليس المقياس الأول‘‘

قد أجهل سرّ النجاح ولكنني أدرك تماما سرّ الفشل وهو محاولة إرضاء الجميع.

نقلا عن جاك مارون، مخرج مسرحية Venus بنسختها اللبنانية
كوليت ضرغام تحاور المخرج جاك مارون في مسرح أوترومون.

أعاد المخرج جاك مارون تشكيل النص الأدبي المعقد وأضاف إليه أبعادا جديدة مما جعله أكثر سلاسة ومرونة ملامسا مشاعر الجمهور.

يعتبر جاك مارون أن نجاح كل عمل مسرحي يكمن في إيمان كل فريق العمل به، يضاف إلى ذلك ’’قوة النص المسرحي بحد ذاته وهنا نتحدث عن رواية عالمية ’’عملاقة‘‘ على درجة عالية من الاحتراف. حرفية الأشخاص والنص على حد سواء تأتي في الاعتبار الأول. إن احترام الجمهور يأتي حكما باحترامنا لفننا أولا. الجمهور في النهاية يتلقف كل ما نقدمه له ولكن تختلف ردة فعله بلا شك عندما يكون المسرح هادفا بنّاءا. كنا أمام نص عالمي ليس سهلا وكان علينا استخدام منهجيات متنوعة لكي تلامس المسرحية مشاعر جمهور غير متجانس عمريا وفكريا‘‘، قال المخرج اللبناني لمذياع القسم العربي لراديو كندا الدولي.

’’لا يحمل المسرح رسالة تثقيفية، يقول مارون، بقدر ما يريد طرح التساؤلات واختراق عقل وفكر المتلقي ليخرج من المسرحية وهو يعّج في رأسه ألف سؤال وسؤال‘‘.

بديع أبو شقرا: ’’الفن هو الحقيقة المطلقة‘‘

الفن هو أفضل وسيلة للتواصل بين الشعوب والحضارات[…] أبو الفنون وأعرقها على الإطلاق ذات البريق الخاص لا يزال ينبض بالإبداع وإحداث الدهشة[…] كل دور حتى ولو جملة واحدة لا زلت أخاف منه ويُحدث فيّ الدهشة.

نقلا عن بديع أبو شقرا، ممثل كندي لبناني

يقول أبو شقرا: ’’مرة جديدة يثبت الفن قدرته على أن يكون جامعا للشعوب والثقافات والحضارات. هناك حقيقة يتفق عليها الجميع بأن اللقاء بين الشعوب لا يكون عبر السياسة ولا الاقتصاد ولا المال ولا السياحة ولا الدين ولا التقاليد والعادات ولكن عبر الفن فحسب‘‘.

ويعتبر المتحدث بأنه عندما يشكل الفن وحده أداة التواصل بين الحضارات فإنه يكون هناك رقي وتواصل حقيقي فوق العادة.

كوليت ضرغام تحاور بديع بو شقرا في مسرح أوترومون في مونتريال.

يعيش الفنان بديع أبو شقرا بين لبنان وكندا ويحمل جنسية البلدين. يشارك في الصناعة السينمائية والمسرحية في البلدين معا كما في غيرهما من الدول حول العالم. تتيح له مهاراته الفنية العالية أفضل الخيارات مما يجعله يحافظ على مكانته المرموقة والراقية في الأوساط الفنية جمعاء.

هذا وأعرب أبو شقرا عن سروره العارم بتفاعل الجمهور مع مسرحية ’’فينوس‘‘ أكان في لبنان أو دبي أو كندا. ’’ويزيدني إعجابا تعطش هذا الجمهور للأعمال الدرامية وإقباله بشغف عليها‘‘، على حد تعبيره.

يرى أبو شقرا أن تتالي قدوم العروض المسرحية من لبنان إلى كندا دلالة على تحقيقها الرواج وإقبال الجمهور الاغترابي عليها وتفاعله معها.

الفن هو وسيلة التواصل الحقيقية بين المغترب وبلده الأم وليس بيروقراطية الدول والسفارات[…] إن التواصل عبر الفن هو الحقيقة المطلقة.

نقلا عن بديع أبو شقرا، ممثل كندي لبناني

أما عن درجة فهم الجمهور لرسالة مسرحية ’’فينوس‘‘ فيجيب أبو شقرا قائلا: ’’ليس من الضروري أن يفهم الجمهور ولا من الضروري أن تصله الرسالة لأن الأهم هو أن يشعر ويتفاعل بمشاعره مع ما نقدمه على المسرح‘‘.

لا توصل المسرحية رسالة واحدة بعينيها، بل إن كل شخص يتفاعل معها بطريقة مختلفة. تصيب قصة ’’فينوس‘‘ الإنسان من الداخل أكان رجلا أو امرأة وتدفعه للتعرف على ذاته وارهاصاته وأهوائه. آلهة الحب والجمال، ’’فينوس‘‘، تصيب الرجل الشرقي بشكل خاص، كما يقول الممثل المخضرم.

يعتبر هذا الأخير أن الرجل الشرقي ليس بحاجة إلى التعرف إلى الآخر بقدر حاجته إلى معرفة ذاته بالدرجة الأولى.

يجثو المخرج بديع على ركبيته أمام دهاء وحنكة وأنوثة فاندا التي جاءت تؤدي دورا في أوديشن.

سمّر التجاذب والمد والجزر وتبادل الأدوار بين بطلي المسرحية المشاهد على مقعده ولم يُحكم إسدال الستارة في نهايتها. فقد خرج الجمهور من دون جواب بل بتساؤلات. لقد تحوّل المخرج بديع إلى الممثلة فاندا والعكس صحيح، هو في لباس امرأة ذليلة مهانة وهي في دور رجل سادي متسلط. فهل كان ’’الأمر له‘‘ كما صرخ بديع أو لها، حيرة مقصودة وقع فيها المشاهد.

وعلى الرغم من أن نص ’’فينوس ذات الفراء‘‘ كتبه الأميركي آيفز عام 2010 إلا أن الرجل هو الرجل في كل الثقافات والجنسيات، يقول أبو شقرا، وقد أعطيت له سلطة تاريخية عبر الدين وغيرها من الأمور. كذلك فإن فاندا في الرواية الأصلية تشبه كل نساء الأرض المتمردات. هواتي النسوة انتفضن على مجتمعهن وذهبن يبحثن عن فرحهن بعدما نبذن كل التابوهات والمحرمات التي تقف في طريق تحقيقهن لذواتهن ولمكانتهن في المجتمع.

رولا بقسماطي: ’’يتوافدون ويملأون المسارح بشكل بْيكَبر القلب‘‘

نسجت الممثلة اللبنانية رولا بقسماطي علاقة خاصة مع جمهورها الكندي ووقع بينهما حالة ’’حب من اللقاء الأول‘‘ منذ شاركت في فعاليات ’’مهرجان الفيلم اللبناني‘‘ مع أول بطولة سينمائية لها في فيلم ’’خبصة‘‘ عام 2018.

الجمهور الكندي حقيقي ومحب وأنا أيضا حقيقية ومحبة. حرارة الجمهور ودفئه تشعرين بهما من لحظة دخولك على خشبة المسرح مما يمنحك شعورا بالارتياح والانسيابية ويحفزك على تفجير طاقاتك […] جمهور مونتريال غمرنا بدفئه فردينا عليه بالمثل، إنه تجاذب وشعور متبادل.

نقلا عن رولا بقسماطي، ممثلة لبنانية

تعتبر المتحدثة أن الجمهور يتلقف كل عمل يقدم له أكان هامشيا أم عميقا. إنه لا يجب على الإطلاق الاستهانة بذائقة الجمهور وتوقه إلى الأعمال الراقية، كما تؤكد.

رولا بقسماطي تتحدث إلى راديو كندا الدولي.

رولا بقسماطي: ’’قصة المسرحية واقعية وعميقة وشخصية البطلة فاندا مركبة ومعقدة فيها جزئيات وتفاصيل تشترط أداء عاليا ومتميزا يحمل الكثير من التحديات. فاندا ليست امرأة عادية وهي تتخبط بمشاعر متناقضة، متغيرة الطباع والأهواء‘‘.

تقول بقسماطي: ’’إن التعليقات التي تأتينا من الجمهور كلها إيجابية تدل على حس عال لديه. لا شك أن المسرحية تمسهم من الداخل وإلا لما كانوا جُنوا بها وتفاعلوا مع أحداثها بشكل أوفى لنا حقنا وتعبنا وجهودنا‘‘.

لم تتردد بقسماطي لحظة واحدة في قبول الدور الذي عرض عليها في المسرحية الجريئة ’’فينوس‘‘، علما أنها انضمت إلى طاقم العمل مع بدء الجولة العالمية للمسرحية مطلع أيلول /سبتمبر الماضي في دبي.

جذبتني مسرحية ’’فينوس، تقول بقسماطي، ’’خصوصا للعمق الذي يحمله النص العالمي وحرفية المخرج جاك مارون ومشاركة خشبة المسرح مع الممثل القدير بديع أبو شقرا‘‘.