اختبار الخرمة في زمن المراهقة والحرب والولدنة

انتهى صيف أيلول، وحلّ خريف عامٍ جديد، ولم تنتهِ الحرب. والحرب لا تنتهي ببساطة. مكثنا نحن الفتيات مع أمهاتنا في الجبال، بعيدًا عن معارك المدن المخيفة.
في الضيعة رسمنا ذكرياتنا الجميلة في كل ركنٍ وزاوية. كنا نطير مع العصافير في الغابات والأحراش الخضراء، ونشرب الماء العذب من الأنهر والينابيع والشلالات. نمرح ونفرح فرح الزهور التي يفوح عطرها هديةً للربيع. كنا، نحن البنات، بنات العائلة، في سنّ المراهقة، نعيش في بيت خالي. الشباب والآباء غادروا إلى بيوتنا في المدن لحمايتها من السرقة ونار القذائف.
منزل خالي يتوسّط الجنائن، وسواقي المياه من حوله تنعش الورد والأرض والزرع. أمامه أشجار الصنوبر والبلوط، شامخة حتى السماء، وعلى سطحه بهجة الدوالي، عناقيد بلون الذهب والأرجوان.
وبين أشجار الفاكهة على أنواعها، شجرة واحدة فريدة، مجهولة آنذاك، شجرة الخرمة.
هنا تبدأ الحكاية.
عند الآباء كانت الصداقة خطيئة، والحب خطيئة، والتكلّم في الشارع خطيئة… وإذا التقينا بأحدٍ دون الإخوة أصبحنا من زمرة أهل الفسق، ومصيرنا نار جهنم! كانوا، رحم الله أرواحهم وأسكنهم بجواره، من النوع الصارم المتشدّد. لا يسمحون لنا بالخروج مع الشباب، إنما بدعوتهم واستقبالهم في البيت بحضورهم وحضورنا جميعًا… (يعني كما كنا نتذمّر ونقول: “جرصة!”)
كان الفتيان يمرّون أمامنا كل يوم، مرة أو مرتين أو ثلاثًا، وأحيانًا أكثر. كنا نترقّب موعد الذهاب والإياب ونجلس في الحديقة. فكانت البسمات، ثم التحيات، ثم التشريفات… فيتفضّلوا!
شجرة الخرمة، فاكهة الآلهة ذات الطعم الحلو والمذاق اللذيذ واللون البرتقالي، كانت الاختبار في اختيار فرسان العصر.
لم تكن بعدُ فاكهة السلاطين قد غزت البساتين. لذلك قررنا أن نعطي ثقتنا لمن يتقن فنّ تناولها: ثقافة الرقي في أكل الخرمة. أسلوب طفولي يجمع المرح واللهو ولا يخلو من التحدي.
اتفقنا أن نقدّمها ناضجة، ملساء، طرية، في ثوبها الأصفر المشتعل، على طبقٍ عليه السكين والشوكة والملعقة. فيتعثّر الضيف أمامنا في الاختيار ما بين الشوكة أو الملعقة. وما أن يمسّ الثمرة حتى تنشطر بين يديه وتلوّث أصابعه، وتصبح لزجة كالعسل الشمعي… فيحمرّ ويخضرّ وجهه من الخجل والارتباك، ونحن نحاول كتم ضحكاتنا وإعطاءه المناديل، فيلتصق الورق بالأنامل. يشعر بالحرج، فيطلب الذهاب إلى المغسلة، ثم يغادر دون رجعة.
فسحة من اللهو في زمن الحرب.
وفجأة حلّ الشتاء، وكان البرد قارصًا، والليل دون كهرباء، في انتظار نور الصباح. نزلنا إلى المدينة، وكان فراق بيت خالي وألاعيبنا وذكرياتنا أمرًا صعبًا ومُرًّا.
والحرب لا تنتهي ببساطة. الحرب تولّد حربًا أكبر من الحرب، وتمتد من الساحل إلى الجبل. احتلّوا البيت. جيوش الغزو والاحتلال أخذوا منا البيت والأرض والجنائن، وقطفوا التفاح والخوخ والتين والسفرجل والعنب والعنّاب… وغادروا بعد أن سرقوا الأثاث ودمّروا المنزل.
رجعنا نتفقّد البيت. موحش بعدما كانت الحياة تملؤه. فارغ، والمغسلة صامدة!
يبست الأشجار وسقطت، إلا شجرة الخرمة. بقيت صامدة. كانت فاكهتها الخضراء ملقاة تحت أغصانها، وعليها آثار كدش. فالجيوش الغادرة الحاقدة، والجحافل الجاهلة الغاصبة المتخلّفة، امتعظت من مرارتها وتركتها تنمو بأمان. لم تكن تدري أن ثمرتها لا تنضج إلا بعد أن يتمّ تخميرها.
وهكذا بقيت الخرمة في بستاننا المنارة الوحيدة، والاختبار الأكبر لرقيّ الشعوب. ولم تزل تحمل لنا أرقّ وأعذب الذكريات، وتعيدنا إلى خطواتنا الصغيرة وماضٍ يجعلنا نفرح كلما أعيدت ذكراه.

 

فرنسواز خوري الهاشم