شقائقُ النعمان تُزهر في الجنوب

تقول الأسطورة اليونانية إن شقائق النعمان نبتت من دم أدونيس الذي عشقته الإلهة عشتروت، بعد مقتله المأساوي على يد خنزيرٍ برّي أثناء رحلة صيد، فأخذت لونها منه، وصارت رمزاً للحبّ والموت والقيامة. وتقول الحكاية التاريخية العربية إنها نبتت على قبر ملك الحيرة النعمان بن المنذر بعدما داسته الفيلة على إثر رفضه الخضوع والتسليم لعدوه. أما الواقع، فيقول إن هذه الزهرة الحمراء تغطّي سفوح جبل عامل في جنوب لبنان كل ربيع، في قيامة سنوية تجدّد بها العهد مع أهله الرافضين للخضوع والذين اعتادوا بعد كل عدوان الانبعاث من تحت الركام بعزمٍ أكبر وإصرارٍ أشدّ.

مشروع إبداعي بصري

متأثرةً بهذه الحكايات المتقاطعة، ومن وحي الاسم الذي يطلقه الجنوبيون على شقائق النعمان: «الدحنون»، أطلقت ابنة بلدة حبّوش الجنوبية ندين ملّي اسم «دحنونيّات» على مشروعها الجديد الذي تعرّفه بإيجاز بوصفه مشروعاً إبداعياً بصرياً يجمع بين الصورة والنصّ والتصميم، ويهدف إلى حفظ ذاكرة الجنوب وأهله، ومواجهة المحو، وتثبيت العلاقة بين الإنسان وأرضه في سياقٍ متكرّرٍ من الحرب والفقد. وتلفت ملّي في حديث معنا إلى أنّ في اعتمادها صيغة الجمع في التسمية إشارةً إلى تعدّد الأفكار و«المنتجات» تحت العنوان العريض ذاته.

مفكّرة سنوية وبطاقات بريدية وفواصل كتب

ورغم انطلاقة المشروع في الفضاء الافتراضي واتكاء صاحبته الكبير على وسائط التواصل الاجتماعي في الترويج له، فهي تؤكد لنا أنه لم يولد ليبقى حبيس «الأونلاين» وإلى أن قيمته الحقيقية تكمن في أثره الملموس، لأنّ الفجوة لم تكن يوماً في الأرشفة الرقمية بل الفيزيائية، متحدثةً عن عدد من الخطوات في هذا الإطار منها ما تحقّق فعلاً ومنها ما هو في طور التحقّق قريباً، من المفكّرة السنوية، إلى البطاقات البريدية Postcards، وصولاً إلى فواصل الكتب Bookmarks، والملصقات وسواها، مع الأمل بأن يكون لمشروعها الفردي الذي تديره حتى الآن من منزلها، مقرّ ثابت مفتوح للزائرين يوماً.

فكرة وُلِدَت من رحم المعاناة

وتشير ملّي، خرّيجة كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، التي درست العلاقات العامة والإعلان، وتعمل في مجال التواصل المؤسساتي والهوية البصرية وتعشق التصوير الفوتوغرافي وتملك خبرة طويلة في تنظيم الحملات الإعلانية، إلى أن الفكرة وُلِدَت من معاناتها في محاولة الحصول على هدايا تذكارية تعبّر عن الهوية الجنوبية كما هي الحال مع التذكارات المتعلقة ببيروت على سبيل المثال.

بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان الذي كان للجنوب النصيب الأكبر فيه، صارت الفكرة أكثر إلحاحاً، انطلاقاً من تنامي الرغبة لدى الأفراد في تقديم أي شيء للجنوب الذي قدّم للوطن كل شيء. ولما كان ما تتقنه ندين هو التصوير الفوتوغرافي والتصميم الغرافيكي والكتابة، فقد دمجت هذه المجالات كلها في مشروع واحد، فكان «دحنونيّات».

تؤكد ندين أنها لم تتوقع حجم التفاعل الكبير مع إصدار «دحنونيّات» الأول وهو مفكّرة عام 2026، التي أرادتها أكثر من مساحة شخصية للتفريغ وتدوين الأفكار والمخططات والمواعيد، لتكون أرشيفاً بصرياً وذاكرةً يمكن للمتلقي اقتناءها والإمساك بها بين يديه، عبر 25 صورة فوتوغرافية التقطتها ملّي بعدستها في «إقليم التفاح» الذي تنتمي إليه، مشيرةً إلى أن كل زيتونة في الصور ستأخذ الرائي إلى كروم الزيتون في بلدته ولو لم تكن الصورة عائدة لها بالذات، وخصوصاً إذا كان ينتمي إلى واحدة من قرى الخط الأمامي التي دمّرها الاحتلال بالكامل مهجّراً أهلها حتى إشعار آخر.

أما الغلاف الذي صمّمته فاطمة زغيب، فهو «كولاج» يضمّ مجموعة صور فوتوغرافية تحمل رمزية عالية جرى قصّها يدوياً ولصقها بحرفية وبشكل مدروس ومعبّر، في محاولة لمحاكاة لحياة الجنوبيين الذين يعودون بعد كل عدوان من أماكن نزوحهم ويجتمعون في جبل عامل ليعيدوا ترميم نفوسهم كما منازلهم.