«إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى»

بِقَلَم: مُورِيس وَدِيع النَجَّار

(أُقصُوصَةٌ مِن صَمِيمِ الواقِع)

دَخَلَ غُرفَةَ الأَساتِذَةِ فَوَجَدَ زَمِيلَهُ الكاهِنَ الَّذي يَتَوَلَّى التَّربِيَةَ الدِّينِيَّةَ في المَدرَسَة. راحَ يُجاذِبُهُ الأَحادِيثَ المُتَفَرِّقَةَ، وإِذ لَمَحَ بَينَ كَرارِيسِهِ، كُتَيِّبًا عن ظُهُوراتِ العَذراءِ مَريَم، استَأذَنَهُ وشَرَعَ يُقَلِّبُ صَفَحاتِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ وقال: أَتُؤْمِنُ بِهذهِ الظَّواهِرِ الَّتي تُنافِي العَقلَ والمَنطِق؟

إِبتَسَمَ الكاهِنُ وأَجاب: طَبعًا، ومِن كُلِّ قَلبِي، فَكُلُّها مُثَبَّتَةٌ بِالشَّواهِدِ، وبَعضٌ مِمَّنْ عاشُوها ما زالُوا بَينَنا أَحياءً يُرزَقُون.

– أَنا أَغبِطُكَ حَقًّا على عُمقِ إِيمانِكَ، فَالإِيمانُ نِعْمَةٌ تَهَبُ السَّلامَ الدَّاخِلِيَّ، والطُّمَأنِينَة. حَتَّى لَو كان وَهْمًا، فَعاقِبَتُهُ تُرِيحُ، وَتُمَنِّي الإِنسانَ بِدُنيا أُخرَى يَسُودُها العَدلُ والمُساواةُ والسَّعادَةُ، حِينَ عَدَمُ وُجُودِهِ يَدفَعُ بِالمَرءِ إِلى عَبَثِيَّةٍ مَرِيرَةٍ، وفَناءٍ مَحتُوم.

أَمَّا أَنا…، فَلا أُؤْمِنُ بِعَجائِبِ القَدِّيسِين الَّتي يَلهَجُ بِها النَّاسُ، وما يَجرِي على أَيدِيهِم مِن مُعجِزاتٍ تَتَنافَى والعِلمَ، ولَكَم سَعَيتُ كَي أُقنِعَ نَفسِي بِما تُبَشِّرُ به الأَديانُ فما استَطَعتُ، فَالمَنطِقُ العَقلِيُّ المادِّيُّ يَستَغرِقُ كُلَّ تَفكِيرِي، والشَّكُّ يَقِفُ لِي بِالمِرصادِ في كُلِّ مُحاوَلَةٍ أَقُومُ بِها. ولَطالَما رَدَّدتُ قَولَ مِيخائِيل نُعَيمَة:

«وَلَولا ضَبابُ الشَّكِّ يا دُودَةَ الثَّرَى       لَكُنتُ أُلاقِي في دَبِيبِكِ إِيمانِي».

إِمتَدَّ نِقاشُهُما، فَالكاهِنُ مُثَقَّفٌ، مُتَعَمِّقٌ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، تَطِيبُ معه الجَلسَةُ.

مَرَّت فَترَةٌ، وَإِذ بِزَمِيلِهِما سَمِير يَدخُلُ ويَنخَرِطُ في المُحادَثَةِ، فَيُؤَيِّدُهُ في نَظرَتِهِ حَولَ انتِفاءِ وُجُودِ ما يُسَمَّى عَجائِبَ، بَل ويَتَزَيَّدُ في وَصْمِ المُعجِزاتِ الغَيبِيَّةِ بِالتُّرَّهاتِ والأَوهامِ الَّتي يَخلُقُها الإِنسانُ العاجِزُ أَمامَ مَصِيرِهِ المَحتُوم.

لَم يَطُلِ المَقامُ بِالكاهِنِ، فَغادَرَهُما مُتَذَرِّعًا بِعَمَلٍ لَدَيه. فقالَ سَمِير هازِئًا: أَنتَ ساذَجٌ، يا صاحِبِي، إِذ تُجادِلُ كاهِنًا في أُمُورٍ كَهذِه. أَلَيسَت مِن لَوازِمِ مِهنَتِهِ، وكَسْبِ عَيشِه؟ على كُلٍّ، ما لنا وله، لقد أَتَيتُكَ بِفِيلمٍ سِينَمائِيٍّ مُسَجَّلٍ شَهِيٍّ جَرِيءٍ إِلى أَقصَى الجُرأَة. سَتَرَى فيه مِن جَمالِ الحِسانِ، كما نَشتَهِيهِنَّ، بِما لا يَطالُهُ الظَّنُّ والخَيالُ الجَمُوح. وناوَلَهُ الكاسِيت (Cassette)، وأَضافَ ضاحِكًا: سَتَتَرَحَّمُ عَلَيَّ بَعدَ استِمتاعِكَ بِفُنُونِ اللَّذَّةِ المُبتَكَرَة!

                                  ***

لَم تَكُن ظُرُوفُ حَياتِهِ العائِلِيَّةِ لِتَسمَحَ له بِمُشاهَدَةِ هذا الفِيلمِ الماجِنِ، فهو يَعِيشُ مع زَوجَتِهِ وابنَتَيهِ في مَنزِلٍ ضَيِّقٍ قَوامُهُ غُرفَتانِ، ولا مَجالَ لِلعُزلَةِ عن الأَعيُن، والاختِلاءِ بِما لا يَجُوزُ كَشفُهُ لِأَحَد.

مَرَّتِ الأَيَّامُ، وسَمِير يَستَعلِمُهُ عن الفِيلمِ مِن حِينٍ لآخَرَ، وهو يَعتَذِرُ مِن صَدِيقِهِ لاستِحالَةِ الانفِرادِ في مَنزِلِهِ، وعَرَضَ عليهِ مِرارًا أَن يُعِيدَهُ له، فَأَبَى قائِلًا: إِحتَفِظْ به، ولكن احْرَصْ أَن لا يَضِيع.

                                  ***

– هُيام، قُومِي يا حَبِيبَتِي، لَقَد تَأَخَّرنا وطَرِيقُنا طَوِيل.

أَمَّا هُيام فَلَم تَأبَهْ لِنِداءِ أُمِّها، فهي مَأخُوذَةٌ بِمُتابَعَةِ أَحداثِ فِيلمٍ استَعارَتهُ مِن رَفِيقَتِها. فَطَلَبَ إِليها هو، بِحِدَّةٍ ظاهِرَةٍ، أَن تَستَجِيبَ، فَأَطفَأَتِ التِّلفازَ وقامَت لِتَوِّها تُهَيِّئُ أَغراضَها لِلانطِلاق.

كانت العائِلَةُ تَعزِمُ على الذَّهابِ إِلى قَريَةِ الأُمِّ في سَيَّارَةِ ابنَتِها الكُبرَى هُيام، فَاليَومَ هو نَهارُ الجُمعَةِ العَظِيمَةِ، والأُمُّ مُولَعَةٌ بِقَضاءِ أَيَّامِ العِيدِ مع عائِلَتِها، في مَرابِعِ صِباها، تَستَعِيدُ فِيها ذِكرَياتِ الطُّفُولَةِ والشَّبابِ، مع الأَهلِ ورِفاقِ العُمرِ الطَّرِيّ. وقَرَّ الرَّأيُ على أَن يَلحَقَ هو بِهِم صَبِيحَةَ الأَحَد.

خَلا المَنزِلُ، وسادَ السُّكُونُ، فَجَهَّزَ قَهوَتَهُ، واتَّخَذَ رُكنَهُ المُفَضَّلَ على الشُّرفَةِ المُطِلَّةِ على الغابَةِ الرَّائِعَةِ في بَلدَةِ «جِعِيتا» الَّتي استَأجَرَ فِيها مَنزِلَهُ، في هذا الصَّباحِ النَّيسانِيِّ المُشمِس.

بَدَأَتِ الأَفكارُ تَجُولُ في رَأسِهِ، وتَتَلاحَقُ ذِكرَياتُهُ مُطَوِّفَةً به سَنَواتِ العُمرِ، مِن الطُّفُولَةِ، إِلى الشَّبابِ، فَالعَمَلِ في التَّعلِيمِ، والتَّنَقُّلِ الدَّائِمِ مِن مِنطَقَةٍ إِلى أُخرَى بِسَبَبِ ظُرُوفِ الحَربِ الأَهلِيَّةِ الرَّاهِنَة. ثُمَّ خَطَرَ بِبالِهِ فِيلمُ صَدِيقِهِ، فَرَأَى أَنَّ الفُرصَةَ سَنَحَت لِمُشاهَدَتِهِ، وإِعادَتِهِ إِلى صاحِبِه.

وَضَعَهُ في جِهازِ التَّشغِيلِ (Tourne-cassette)، وأَضاءَ مُعَدِّلَ التَّيَّارِ الكَهرَبائِيِّ (Stabilisateur)، فَلَم يُضِئْ بِرُغمِ أَنَّ الكَهرَباءَ مُؤَمَّنَةٌ فَمِصباحُ السَّقفِ مُضِيء. نَزَعَ الشَّرِيطَ المُوصِلَ مِن الحائِطِ وأَعادَهُ، وحاوَلَ بِطُرُقٍ شَتَّى، والمُعَدِّلُ مُعَطَّلٌ لا يَستَجِيبُ لِتَوَسُّلاتِه. تَعَجَّبَ لِلأَمرِ كَثِيرًا، فَمُنذُ أَقَلَّ مِن ساعَةٍ كانَت ابنَتُهُ تُشاهِدُ فِيلمًا، وكُلُّ شَيءٍ يَعمَلُ على ما يُرام.

لَبِسَ ثِيابَهُ، وحَمَلَ المُعَدِّلَ الحَرُونَ، ونَزَلَ إِلى سَيَّارَتِهِ قاصِدًا مَدِينَةَ «جُونِية» القَرِيبَةَ بُغيَةَ إِصلاحِه. تَوَقَّفَ في مَحَطَّةِ وَقُودٍ، يُزَوِّدُ سَيَّارَتَهُ، فَسَأَلَ العامِلَ إِن كان يَعرِفُ أَحَدًا يَعمَلُ بِإِصلاحِ الأَدَواتِ الكَهرَبِيَّةِ، فَحَدَجَهُ مُتَعَجِّبًا لِسُؤالِه: أَلا تَرَى، يا أُستاذ، أَنَّ كُلَّ الأَعمالِ مَشلُولَةٌ، والمَحالُّ مُقفَلَةٌ، فَاليَومَ هو الجُمعَةُ العَظِيمَة؟!

أَكمَلَ مَسِيرَهُ غيرَ عابِئٍ بِما قالَهُ العامِلُ، وكَأَنَّ سِحرًا سَيطَرَ على عَقلِهِ فَمَنَعَهُ التَّفكِيرَ والتَّحلِيلَ والمَنطِق.

وَصَلَ «جَونِيَة»، فإِذا الشَّوارِعُ خاوِيَةٌ خالِيَةٌ، والأَبوابُ مُقفَلَةٌ، حتَّى لَتَخالَ أَنَّكَ في مَدِينَة أَشباحٍ، فَراحَ يَدُورُ في الشَّوارِعِ، مِن دُونِ أَن يَفُوزَ بِطائِل. واستَمَرَّ في بَحثِهِ العَبَثِيِّ المُضنِي، وكَأَنَّهُ مُسَيَّرٌ لا مُخَيَّرٌ، ومِن دُونِ أَن يُدرِكَ لاجَدْوَى المُحاوَلَة. وَبَعَدَ أَن زَرَعَ المَدِينَةَ ذَهابًا وإِيابًا، وقد بَلَغَ اليَأسُ مِنهُ مَبلَغًا، هَمَّ بِالعَودَةِ، وإِذ بِهِ يَلمَحُ، في شارِعٍ جانِبِيٍّ ضَيِّقٍ، مَحَلًّا بابُهُ نِصْفُ مَفتُوحٍ، فَأَسرَعَ بِاتِّجاهِهِ، وما وَصَلَ حَتَّى كان صاحِبُهُ يَتَأَهَّبُ لإِقفالِهِ، فَبَسَطَ أَمامَهُ مُشكِلَتَهُ، فَنَظَرَ إِلَيهِ الرَّجُلُ بِاستِخفافٍ مُبِينٍ، وقال: أَنا هُنا لإِحضارِ غَرَضٍ، ثُمَّ أُقفِل. أَلَم تَسمَع بِالجُمعَةِ العَظِيمَةِ، سامَحَكَ الله.

وَإِذ هَمَّ بِالانطِلاقِ خائِبًا، استَوقَفَهُ الرَّجُلُ، ورُبَّما قَد أَشفَقَ على عَقلِهِ الطُّفُولِيِّ، قائِلًا: أَراكَ مُضطَرًّا، لِذا أَدُلُّكَ على مَحَلٍ في المِيناءِ القَدِيمَةِ، في الشَّارِع الفُلانِيِّ، على شاطِئِ البَحرِ، حيثُ يَصنَعُونَ هذه الأَدَواتِ الكَهرَبِيَّة. فَجَرِّبْ حَظَّكَ، رُبَّما تَجِدْهُ مَفتُوحًا لِسَبَبٍ ما.

قَصَدَ المَكانَ الَّذي أَشارَ إِلَيهِ الرَّجُلُ، فَأَوقَفَ سَيَّارَتَهُ في الشَّارِعِ الرَّئِيسِيِّ، وحَمَلَ جِهازَهُ المُعَطَّلَ، الثَّقِيلَ الوَزنِ، ودَخَلَ سَيرًا في طَرِيقٍ ضَيِّقَةٍ، فَوَجَدَ في نِهايَتِها مَحَلًّا مَفتُوحًا يَغُصُّ بِالأَجهِزَةِ الشَّبِيهَةِ بِالَّذي يَحمِلُهُ في يَدَيه. حَيَّا الرّجُلَ الَّذي يَرتَدِي لِباسًا جَدِيدًا، ولا يَبدُو عليهِ مَظهَرُ تِقْنِيٍّ في عَمَلِه.

عَرَضَ عليهِ واقِعَهُ، وطَلَبَ إِلَيهِ المُساعَدَةَ، وأَخبَرَهُ كَيفَ كان الجِهازُ يَعمَلُ بِصُورَةٍ عادِيَّةٍ، إِذ كانت ابنَتُهُ تَستَعمِلُهُ، وفَجأَةً تَعَطَّلَ مِن دُونِ سَبَبٍ ظاهِر. أَجابَهُ الرَّجُلُ، عابِسًا، ومِن دُونِ أَن يُعِيرَهُ انتِباهًا: لا أَعمَلُ اليَومَ، فَتَفَضَّلِ الأُسبُوعَ القادِمَ، إِذا شِئْت.

فَراحَ يَرجُوهُ، ويَتَوَسَّلُ إِلَيهِ، عارِضًا المَبلَغَ الَّذي يُرِيد. غَضِبَ الرَّجُلُ، وتَأَمَّلَ الجِهازَ، يَتَفَحَّصُ نَوعَهُ، وقال: إِذهَب، يا أَخِي، وما عليكَ إِلَّا أَن تَنزَعَ غِطاءَهُ، فَتَجِدَ مِفتاحًا بِمَخرَجَينِ (On-Off)، فَأَعمِلِ الـ (On)، لِيَعُودَ إِلى حالَتِهِ الطَّبِيعِيَّة.

لَم يَقتَنِع، وراحَ يُلِحُّ على الرَّجُلِ، ويَتَوَسَّلُهُ، ويُغرِيهِ بِالمالِ، فاعتَرَتِ الأَخِيرَ نَوبَةُ هِستِيريا، فَأَمسَكَ بِمِفَكِّ بَراغٍ، ورَفَعَ غِطاءَ الجِهازِ بِحَرَكَةٍ عَصَبِيَّةٍ، وحَرَّكَ، بِإِصبَعِهِ المُتَوَتِّرِ، شَيئًا في الدَّاخِلِ لم يَتَبَيَّنْهُ هو جَيِّدًا، ثُمَّ أَقفَلَ الغِطاءَ، ودَفَعَ الجِهازَ إِليه: تَفَضَّل.

جَرَى كُلُّ ذلك بِسُرعَةٍ قُصوَى، حَتَّى إِنَّهُ لَم يَفقَهْ جَيِّدًا ما فَعَلَهُ هذا التِّقْنِيُّ الحاذِقُ، وإِذ رَجاهُ أَن يُجَرِّبَهُ له، صَرَخَ بِوَجهِه: يا رَبَّ السَّمَواتِ انجِدْنِي. يا أَخِي، أَتُعَلِّمُنِي الصَّنعَةَ، وأَنا الَّذي يَتَعاطَى مع هذه الأَجهِزَةِ لَيلَ نَهار؟ أَرجُوكَ اترُكنِي، فَأَنا مُستَعجِل. وإِذ عَرَضَ عليهِ أَجرًا رَفَضَ وقال: كانَ اللهُ مَعَك.

                                  ***

دَخَلَ المَنزِلَ مُنهَكًا إِثْرَ ساعَتَينِ مِنَ الطَّوافِ والتَّفتِيشِ، وارتَمَى على المَقعَدِ الكَبِيرِ لِبُرهَةٍ، ثُمَّ قامَ فَوَضَعَ الجِهازَ في مَكانِهِ، ووَصَلَهُ بِالتَّيَّارِ الكَهرَبائِيِّ، فإِذا به يَعمَل. حِينَئِذٍ، شَعَرَ بِما يُشبِهُ التَّيَّارَ يَختَرِقُ رَأسَهُ، فَأَغمَضَ عَينَيهِ واستَغرَقَ في تَأَمُّلٍ عَمِيقٍ سائِلًا نَفسَه: أَيُّها الشَّقِيُّ، أَلَم تَجِدْ غَيرَ نَهارِ الجُمعَةِ العَظِيمَةِ لِتُمَتِّعَ حَواسَّكَ السُّفلَى بِهذا الفِيلمِ الدَّنِيء؟! ثُمَّ ماذا يَبقَى بَعدَ هذه اللَّذَّةِ العابِرَةِ، ولِكُلِّ دَربٍ نِهايَة؟!

وقَفَزَت إِلى خاطِرِهِ، الَّذي كان مُغلَقًا فَانفَتَحَ بِقُدرَةِ قادِرٍ، عِبرَةُ الجامِعَة: «أَتقَنتُ الحِكمَةَ والمَعرِفَةَ، وأَشبَعتُ شَهَواتِ عَينَيَّ. فَإِذا الكُلُّ باطِلٌ وقَبضَةُ رِيحٍ»(1).

وتَنَهَّدَ عَمِيقًا: رَبِّ! سامِحنِي، أَنا خاطِئٌ خاطِئ!

                                  ***

التَحَقَ بِعائِلَتِهِ في اليَومِ التَّالِي، فَلاحَظَت زَوجَتُهُ فيه شُرُودًا وتَأَمُّلًا، فَنَحَتهُ جانِبًا، تَستَعلِمُ أَمرَهُ، فَرَوَى لها كُلَّ شَيءٍ، فَذَهِلَت، وهي المُتَعَبِّدَةُ المُؤمِنَةُ بِمَآتِي اللهِ وقِدِّيسِيهِ، ورَسَمَت إِشارَةَ الصَّلِيبِ على وَجهِها، ونَظَرَت إِلى العَلاءِ بِتَضَرُّعٍ: رَبِّ… ما مِن شَيءٍ عَسِيرٌ عَلَيكَ. شَدِّدْ إِيمانَ زَوجِي، بارِكْ عائِلَتِي، ولا تُدخِلْنا في التَّجارِب!

أَعادَ الفِيلمَ لِصَدِيقِهِ، ورَوَى له الحِكايَةَ بِحَذافِيرِها. صَمَتَ سَمِير لِبُرهَةٍ، مُتَأَمِّلًا، مُتَفَكِّرًا، مُقَطَّبَ الجَبِينِ ولم يَفُهْ بِسِوَى: غَرِيبٌ، فِعلًا غَرِيب!

                                  ***

مَرَّتِ الأَيَّامُ فَنَسِيَ ما جَرَى له، مُنغَمِسًا في مَشاغِلِهِ التَّعلِيمِيَّةِ الكَثِيرَةِ، وقد اشتَرَى أَثناءَها تِلفازًا جَدِيدًا، ووَضَعَ القَدِيمَ وتَوابِعَهُ بين مُخَلَّفاتٍ كَثِيرَةٍ في مَكانٍ خَفِيٍّ مُهمَل مِنَ المَنزِل.

أَتَت عُطلَةُ الفِصحِ في السَّنَةِ التَّالِيَةِ، فَاستَذكَرَ، مع زَوجَتِهِ، حادِثَةَ الفِصحِ الماضِي، فَعَنَّ له خاطِرٌ بَلبَلَ هُدُوءَهُ، فَأَسَرَّ إِليها عَزمَهُ على تَفَحُّصِ الجِهازِ القَدِيمِ المَشهُود. أَخرَجَهُ مِن عُزلَتِهِ بين سَقْطِ مَتاعٍ مُتَراكِبٍ، مَسَحَ عَنهُ الغُبارَ، وحَلَّ غِطاءَهُ العُلوِيَّ، فكانت المُفاجَأَةُ الكُبرَى: غابَةٌ مِن الأَشرِطَةِ المُتَشابِكَةِ، ولا وُجُودَ لِمِفتاحِ الدُّخُولِ والإِقفالِ (On – Off) الَّذي ذَكَرَهُ الرَّجُلُ الَّذي أَصلَحَ له الجِهاز!

راحَتِ الأَفكارُ تَتَماوَجُ في رَأسِهِ، ويَتَسَاءَلُ عن غَرابَةِ الأَمرِ، وعن مُصادَفَةِ وُجُودِ المَحَلَّينِ الوَحِيدَينِ المَفتُوحَينِ في مَدِينَةِ «جُونِيَة» الكَبِيرَةِ، واللَّذَينِ كانا سَبِيلَهُ إِلى ما حَصَل. وداخَلَهُ شَكٌّ بِوُجُودِ صاحِبَيهِما الفِعلِيِّ هناكَ في ذلك الوَقتِ، ومَلَكَت ذِهنَهُ فِكرَةُ أَنَّهُما وَهْمٌ خَلَقَهُ في رَأسِهِ مَن أَرادَ له، مِن الغَيْبِ، هذه النِّهايَةَ المَرسُومَة!

اقتَرَبَت زَوجَتُهُ مِنهُ فَوَجَدَتهُ مُلقِيًا رَأسَهُ إِلى الوَراءِ، ساهِمَ الوَجهِ، مُغمَضَ العَينَينِ، في حالَةِ تَأَمُّلٍ قُصْوَى، كَأَنَّهُ صُوفِيٌّ مُتَمَرِّسٌ، فَقالَت: ماذا دَهاكَ، هل بِكَ سُوء؟

فَأَراها الجِهازَ الفاغِرَ الفَمِ، البَلِيغَ الصَّامِتَ، وما في جَوفِهِ مِن حَقِيقَةٍ عارِيَةٍ تَدحَضُ كُلَّ ما شَهِدَتهُ حَواسُّهُ مُنذُ عامٍ.

واستَغرَقَ، مِن جَدِيدٍ، في تَفكِيرٍ مُضْنٍ يَتَصارَعُ فيه العَقلُ والإِيمانُ، ويُجالِدُ المَنطِقُ التَّسلِيم. فَتَرَكَتهُ زَوجَتُهُ في عُزلَتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ الَّتي تَعرِفُها أَثِيرَةً لَدَيهِ، وعلى فَمِها ابتِسامَةُ رِضًى!

                                  ***

هي قِصَّةٌ مِن صَمِيمِ الواقِعِ، رَوَيتُها بِحَذافِيرِها، لا زِيادَةَ ولا تَشذِيبَ ولا تَوشِيةَ، فَلْيَرَ فِيها كُلُّ قارِئٍ ما يَرَى، ولتَكُنْ «ذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلب»(2)!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): (سِفْرِ الجَامِعَة، الآيات 4-11)

(2): ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلبٌ﴾، القُرْآنُ الكَرِيمُ، سُوْرَةُ 

      الذَّارِيَات، الآيَة 17.