بعد الحرب… هل يولد السلام؟

بعدَ الحربِ… هل يولَدُ السَّلام؟
يا كِذبةً تُغشي العقولَ، وتستبيحُ المَنام!
أَيحتاجُ النَّسيمُ إلى الجِثامِ كي يَحيا؟
أويُزهِرُ الحقلُ إذا احترقَ وسالَ دَمُ الحمام؟
بعد الحرب… أَيَعودُ من رحلوا؟
أتنبتُ الأذرعُ بعدَ أن قُطِعوا؟
أَتَضحكُ الأمهاتُ، والآباءُ، والأيتام؟
أَتُستعادُ الأحلامُ بعد أنِ انمحَتْ كالأوهام؟
بعد الحرب… هل ينامُ الأطفالُ في ليلٍ هادئٍ؟
هل تَكفُّ الكوابيسُ عن مطاردةِ الأجفان؟
هل تبرأُ الأرضُ من سُمومِ احتراقِها؟
هل تُمحى الإشعاعاتُ من الدَّمِ والكيان؟
لا! لا! لا!
بعد الحربِ… يهبطُ الصمتُ الثقيل،
صمتٌ يُطوِّقُ القلبَ كالسَّلاسلِ والحديد،
المهجّرونَ ضائعونَ، الذكرياتُ كسيرةٌ،
والرَّمادُ باقٍ لا يَزولُ، ولو مرّتْ قرونٌ من جديد.
في اللحمِ نُقشتِ الجراحُ العميقة،
تصرخُ، تصرخُ بألمٍ لا يُطاق،
بعد الحرب… لا يبقى سوى القبور،
الخرائب، الصيحات، والنيرانِ التي لا تزالُ في احتراق.
تدوّي الصدى في القلوب كالرعد،
كالمطرقةِ تضربُ الحجرَ بشدّةٍ ووَعد.
السلامُ ليس بنتَ الحرب،
وليسَ وريثتَها المُستَغرَبة!
السلامُ نَفَسٌ، ضوءٌ، روحٌ مُستفيقة،
يسري من قلبٍ إلى قلبٍ، كنسمةٍ صادقة.
يَسكُنُ في الشعوبِ، في الحُكومات،
حين تَلفِظُ الأُممُ الدمَ والعقوبات،
حينَ يَزهدُ الإنسانُ في القتلِ والمدافعِ والبنادق،
ويختارُ للروحِ سَبيلاً صادقًا، طريقًا ناطقًا بالمحبةِ والوئام.
السلامُ خيار!
ذاكرةٌ حيّةٌ، ورفضٌ للنار!
نَفَسٌ يُدرِكُ قَدْرَ كلِّ حياة،
ويصرخُ، يثورُ، يهتفُ في الساحات:
كفى! كفى! الحربُ لا تَلِدُ سلامًا!
بل تَلِدُ حربًا، ثم حربًا، ثم عَدمًا.
دَورةُ نارٍ، رمادٍ، ومَوتٍ يتقدّم.
السلامُ ليسَ نتيجةً،
ولا غنيمةً، ولا جزاءً بعدَ الجريمة.
ليسَ وَهْمًا بعدَ مجزرة،
ولا سَرابًا بعدَ كارثةٍ مُدمّرة.
بعدَ الحرب… أَيأتي حقًّا؟
أمْ هوَ فخٌّ، وَهَيجانُ ريحٍ مُختلّةٍ حيرى؟
السلامُ لا يحتاجُ إلى المقابرِ ليقوم،
ولا إلى دمٍ مسفوحٍ كي يدوم.
السلامُ نَبعٌ، نَفَسٌ، حالُ روحٍ مُضيئة،
تصرخُ، تهتفُ، تُعلنُ بصوتٍ ملءَ الفضاء
كفى! كفى! كفى!

 

فرنسواز خوري الهاشم