وَطَنِي

وَطَنِي
فِي غُرْبَتِي،
لَا أَكْتُبُ عَنْكَ، بَلْ عَنِّي…
حِينَ تَغِيبُ عَنْ ظِلِّي.
وَطَنِي…
أَسْمَعُ نِدَاءَكَ مِنْ خَلْفِ الغَيْمِ،
فِي هَمْسِ الرِّيحِ،
فِي وَجَعِ الغُرْبَةِ،
فِي صَمْتِ أَرْزٍ يَحْتَوِينِي…
فِي وَحْدَتِي،
أَجْلِسُ قُرْبَ أَرْزَةٍ تُشْبِهُكَ،
تُوقِظُ الحَنِينَ،
تَخْتَرِقُ عُزْلَتِي،
تُحَدِّثُنِي عَنْ بَيْتٍ عَلَى التَّلِّ،
عَنْ أُمٍّ تَخْبِزُ العُمْرَ حُبًّا،
عَنْ جَارٍ فَتًى
أَشْعَلَ نَارَ القَلْبِ… وَاخْتَفَى.
وَتُمْطِرُ السَّمَاءُ حُزْنًا فِي عَيْنَيَّ… فِي خَيَالِي…
أَجْلِسُ
قُرْبَ أَرْزَةٍ غَرِيبَةٍ،
فِي حَدِيقَةٍ لَا تَعْرِفُ اسْمِي،
وَلَا تَدْرِي أَنِّي
مِنْ نَسْلِ كَنْعَان،
مِنْ سُلَالَةِ “إِيل” وَ”أَشْمُون”،
مِنْ ذُرِّيَّةِ “عَشْتَرُوت”،
مِنْ دَمِ “أَدُونِيس”.
لَا تَدْرِي أَنَّ “أُورُوبَّا” اختُطِفَتْ مِنْ أَرْضِ الجَنُوبِ،
“أُورُوبَّا”،
الأَمِيرَةُ الفِينِيقِيَّةُ الَّتِي أَغْوَاهَا “زُوس”،
فَحَمَلَهَا إِلَى هَذِهِ القَارَّةِ… الَّتِي مِنْهَا أَكْتُبُ شِعْرِي.
“أُورُوبَّا”…
القَارَّةُ الَّتِي تَحْمِلُ اسْمَ أَمِيرَةْ وَطَنِي.
أَنَا مِنْ شَعْبٍ سَكَنَ الأَسَاطِيرَ،
زَرَعَ الحَرْفَ عَلَى ضِفَافِ البَحْرِ،
وَرَسَمَ الشَّمْسَ عَلَى أَجْنِحَةِ السُّفُنِ،
مِنْ قِيَامَةِ طَيْرِ الفِينِيقِ،
مِنْ نَارٍ لَا تَخْبُو،
وَمِنْ رَمَادٍ يُنْبِتُ جَمْرَ الأَوْطَانِ…
أَجْلِسُ،
وَفِنْجَانُ قَهْوَتِي يَرْتَجِفُ بَيْنَ يَدَيَّ،
وَعِطْرُهُ يَحْمِلُنِي إِلَى دُرُوبِ الصِّبَا،
إِلَى أَبْوَابٍ خَشَبِيَّةٍ تَفُوحُ بِالْمِيرَمِيَّةِ.
وَأَرَاكَ فِي ظِلِّ الأَرْزِ السَّرْمَدِيِّ،
فِي صَلَابَةِ الحَجَرِ،
فِي شَهْقَةِ الجَبَلِ حِينَ يَبْكِيهِ المَطَر،
فِي أَصْوَاتِ البَحَّارَةِ وَهُمْ يَعْبُرُونَ الشَّطْآنَ،
كَأَنَّ قَلْبَكَ مَا زَالَ يَعْرِفُنِي،
كَأَنَّكَ تَحْفَظُ اسْمِي…
حِينَ تَضِلُّهُ شَفَتَايَ عَنِّي…
لَا مَنْفَى يُطْفِئُكَ،
وَلَا مَسَافَةَ تَفْصِلُكَ عَنِّي،
فَأَبْقَى فِي مَدَارِ الاِنْتِظَارِ،
جَالِسَةً أَمَامَ الذِّكْرَيَاتِ،
فَأَنْتَ الوَحِيدُ، الَّذِي إِنْ غَابَ…
بَقِيَ فِي كُلِّ شَيْءٍ:
فِي اللُّغَةِ السَّامِيَّةِ،
فِي الأُغْنِيَةِ الفَيْرُوزِيَّةِ،
فِي دَمْعَةِ الشَّوْقِ،
فِي لَحْنِ اللَّهْفَةِ وَالأَنِينِ…
أَنَا هُنَا،
أَمَامَ أَرْزَتِكَ الشَّامِخَةِ،
أَحْرُسُ الحَنِينَ،
وَأَنْتَظِرُكَ بِصَمْتٍ… يَقْطُرُ يَقِينًا،
بِأَنَّنِي سَوْفَ أَعُودُ.
وَطَنِي…
أَنْتَ لَا تَمُوتُ،
بَلْ أَنَا… أَمُوتُ،
كُلَّمَا نَسِيتُ مَنْ أَكُونُ…

 

فرنسواز خوري الهاشم