نسمة تحملني…

نسمة تحملني…

أغمضتُ عيني لقيلولة عابرة،
فانسلت نسمة من النافذة،
تداعب وجهي،
تلامس جسدي،
وتحملني، بخفة حُلم،
إلى بلدتي البعيدة.

صمت الظهيرة يتثاءب،
والنسيم يتعطر برائحة الحبق،
يأتي من الحقول، يهمس لي بأسرار النهر،
قطراته تلمسني من بعيد.

أسمع ضحكات الجيران،
أكواب القهوة تطنّ كأجراس صغيرة،
والأطفال يمرحون في الشارع،
حتى يرنّ صوت “زمور”
معلنًا سيارةً قادمة.
فينسحبون إلى جانبي الطريق،
ساكنين كأغصان حور،
ثم… يفرّون كعصافير مبتهجة،
يحتلون الأرض من جديد.

هناك، على باحة الدار،
أطلّ بخجل،
وصوت الجار يعلو متعمدًا،
يريدني أن أسمع،
فأرفع رأسي، نتبادل نظرات حالمة،
وأشعر بظلّ أخي من بعيد،
يرمقني بعيون تنذرني…
ألا أتجاوز المسموح.

ومن أبعد الدرب،
يطلّ أبي، عائدًا من مشواره،
خطواته واثقة،
يهوي رياضة المشي،
يُرافقه صخب أولاد الحي،
يحرسهم بعصاه الغليظة،
يبعد الأفاعي والكلاب الشاردة،
كحارس من زمن الأساطير.

وفجأة…
ينفجر صدى مكبّر الصوت:
“بوظة… غلاسيه… ألو ألو… أطيب بوظة!”
فيركض الصغار نحوه كقطيع فرح،
ويتقدمهم ذاك الجار،
متظاهرًا بشراء المثلجات،
ليقترب أكثر،
ويهمس… همسًا ناعمًا،
كأن العالم كله قد توقف
كي أنصت إلى كلمة،
أو أسرق نظرة تشتعل بيننا.

وأنا، الآن،
هنا، في غرفتي،
بين الحاضر والذاكرة،
الزمن يمرّ،
لكنه لا يرحل
ونسمة من زمن بعيد
تعيدني صبية مراهقة.

فرنسواز خوري الهاشم

 

فرنسواز خوري الهاشم